فلسطين أون لاين

غزة تنزف وحزب الله يستنزف: اتفاقيات هدنة أم حرب إبادة

شهدت المنطقة على مدى السنوات الماضية سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" من جهة، وحزب الله في جنوب لبنان وفصائل المقاومة في غزة من جهة أخرى. اتفاقاتٌ أُبرمت تحت رعاية أطراف دولية وإقليمية، وكان من المفترض أن تؤدي إلى فترة من الهدوء النسبي وحماية المدنيين على جانبي الحدود. لكن الواقع على الأرض يكشف قصة مختلفة تماماً - قصة تحوّل فيها "وقف إطلاق النار" من أداة للحماية والسلام إلى غطاء لاستمرار الحرب من جهة واحدة، في مشهد إنساني وقانوني مأساوي متعدد الأبعاد.

يكشف وبإحصائيات دامغة بان الهدنة لم تكن سوى وهم حيث تشير الإحصائيات إلى فداحة التناقض بين الالتزام المعلن والواقع المُعاش. فمنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 10 أكتوبر 2025 وحتى 4 فبراير 2026، انتهكته إسرائيل ما لا يقل عن 1,520 مرة. تجلّت هذه الانتهاكات في 522 حادثة إطلاق نار مباشر على المدنيين، و73 عملية اقتحام لمناطق سكنية، و704 عملية قصف ومدفعية، و221 عملية هدم للممتلكات. النتيجة البشرية المروعة: استشهاد 576 فلسطينياً وإصابة 1,543 آخرين خلال فترة "الهدنة" نفسها، وهي أرقام تكشف الطبيعة الوحشية لهذه الانتهاكات التي تكاد تكون شبه اليومية باستهداف منهجي للحياة المدنية لترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تنفذها إسرائيل كجزء من استراتيجية ممنهجة تستهدف البنى التحتية المدنية وسبل العيش ذاتها.

1. الهجمات العشوائية على الملاذات الآمنة

أفادت تقارير موثوقة أن 75% من ضحايا الهجمات الإسرائيلية الواسعة هم من المدنيين، مما يدحض أي ادعاءات بالدقة العسكرية. لقد وثقت منظمات حقوقية ودولية استهداف مخيمات النازحين -المفترض أنها ملاذات آمنة- بشكل متكرر ومتعمد. ففي أحد الأمثلة الصارخة، أدى قصف إسرائيلي على خيمة لنازحين قرب مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح إلى استشهاد 5 أشخاص بينهم 3 أطفال. كذلك، استهدفت غارات إسرائيلية مخيم المواصي غرب خان يونس، مؤكدة أن سياسة "الأرض المحروقة" لا تستثني حتى أماكن تجمع الأبرياء.

2. التهجير القسري كاستراتيجية احتلال

في جريمة مكتملة الأركان، اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" السلطات الإسرائيلية بالتسبب في نزوح قسري متعمد لأكثر من 90% من سكان غزة، أي ما يقارب 1.9 مليون فلسطيني. هذا التهجير الجماعي، الذي يُنفذ عبر أوامر إخلاء عشوائية وقصف للمناطق المعلن عنها رسمياً كمناطق "آمنة"، لا يمتلك أي مبرر عسكري مقنع، ويُشكل بحد ذاته جريمة حرب وفقاً للقانون الدولي.

3. الحرب على القطاع الصحي: إجهاض مقصود للأمل

لم تسلم المؤسسات الإنسانية من هذه الحرب الشاملة:

· حصار المستشفيات: استهدفت القوات الإسرائيلية المستشفيات الأربعة المتبقية في شمال غزة (اليمن السعيد، العودة، الإندونيسي، كمال عدوان)، وفرضت عليها حصاراً خانقاً يمنع دخول الغذاء والدواء والوقود، محوّلة إياها من مراكز للعلاج إلى سجون للمرضى والطاقم الطبي.

· استهداف فرق الإنقاذ: ارتفع عدد شهداء الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة إلى 30 منذ بداية النزاع، حيث قُتل مسعفون أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني تحت شعار الحياد الطبي.

· تدمير منشآت الإغاثة: لم ينجُ حتى المركز الرئيسي لتوزيع مساعدات الأونروا من القصف، مما أدى إلى استشهاد 10 وإصابة 40 شخصاً، في ضربة مباشرة لشريان الحياة الأخير لمدنيين يواجهون المجاعة.

4. التجويع كسلاح: انتهاك صارخ لبنود الهدنة

ينتهك الجيش الإسرائيلي صراحة البند الأساسي في وقف إطلاق النار الذي ينص على "إرسال المساعدات الكاملة فوراً إلى قطاع غزة". فلم يدخل سوى 43% فقط من الشاحنات الإنسانية المتفق عليها (29,603 من أصل 69,000 شاحنة). الأكثر إثارة للاشمئزاز هو المنع المتعمد لإدخال المواد الغذائية الأساسية مثل اللحوم والألبان والخضروات، بينما تُسمح بدخول مقرمشات وشوكولاتة ومشروبات غازية، في سياسة تهدف إلى إدامة الاعتماد وليس إنقاذ الأرواح.

الدعم الأمريكي السافر: التمكين السياسي والعسكري للإفلات من العقاب

لا يمكن فهم استمرار هذه الانتهاكات بإفلات تام من العقاب دون فهم طبيعة الدعم الأمريكي غير المشروط، الذي يقدم الغطاء الأساسي لاستمرارها عبر عدة محاور:

الدعم العسكري والمالي المباشر: تمويل الآلة الحربية

· تصدير الأسلحة: قامت الولايات المتحدة بتسليح إسرائيل بشكل مكثف ومستمر، بما في ذلك عشرات الآلاف من القنابل والقذائف. ومن بين هذه الأسلحة قنابل موجهة عالية الدقة من طراز GBU-31 وGBU-39، التي تم توثيق استخدامها بشكل متكرر في هجمات على مناطق مدنية مكتظة بالسكان في غزة.

· التمويل غير المحدود: تُقدّر المساعدة العسكرية الأمريكية المباشرة لإسرائيل منذ أكتوبر 2023 بأكثر من 17.9 مليار دولار، بالإضافة إلى مليارات الدولارات من ضمانات القروض وإصدارات السندات، مما يحوّل المساعدات الأمريكية إلى وقود مباشر لهذه الحرب.

الدعم السياسي والدبلوماسي: عرقلة العدالة الدولية

· فيتو الحماية: استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي 34 مرة من أصل 36 مرة تناولت قضايا فلسطينية، مما أحبط بشكل منهجي أي إجراء دولي ملزم يمكن أن يحمّل إسرائيل المسؤولية أو يوقف انتهاكاتها.

· محاربة المحاكم الدولية: فرضت الولايات المتحدة عقوبات مالية على قضاة ومدعين في المحكمة الجنائية الدولية لمجرد فتحهم تحقيقات مع قادة إسرائيليين، في محاولة سافرة لتعطيل مسار العدالة الدولية.

قمع الأصوات المعارضة: إسكات الرواية الأخرى

يواجه النشطاء الأمريكيون المناصرون لفلسطين حملات قمع منهجية. فقد طُرد الطالب الأمريكي غاي كريستينسن من جامعته بعد نشره مقاطع تنتقد إسرائيل، نتيجة ضغوط مباشرة من جماعات ضغط مؤيدة للاحتلال. يصف كريستينسن واقع حرية التعبير في الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بفلسطين بأنه "مجرد نكتة"، مما يكشف الوجه المزدوج للديمقراطية الأمريكية.

الصمت العربي والدولي: التواطؤ السلبي والتخلي المشبوه

الأمر الأكثر إيلاماً هو الموقف المخيّب للآمال من الدول العربية والإسلامية والأطراف الدولية الراعية للاتفاقات. فبدلاً من تحمّل مسؤولياتها في ضمان احترام هذه الاتفاقات، تتخلى هذه الدول عن حركات المقاومة والشعوب التي تمثلها، وتكتفي في أحسن الأحوال "بالاستنكار الخجول" لأعمال القتل والتدمير.

الجامعة العربية، المؤسسة المفترض أنها تمثل الإرادة الجماعية للأمة، تغرق في سبات عميق تجاه المجازر المستمرة. أما الأمم المتحدة، فتعجز عن اتخاذ أي إجراء ذي معنى ضد الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، ليس بسبب عدم وجود الآليات القانونية، بل بسبب هيمنة القوى العظمى المتحالفة مع "إسرائيل" على قراراتها. هذا العجز الدولي المنظم ليس بريئاً؛ فهو يمنح إسرائيل غطاءً سياسياً وقانونياً ضمنياً لمواصلة جرائمها، مع العلم المسبق أنها لن تواجه أي عواقب تذكر.

خاتمة: بين استنزاف المقاومة واستمرار الصمود

الواقع المؤلم يُظهر أن "وقف إطلاق النار" لم يعد أكثر من إطار تكتيكي تفرض فيه إسرائيل سياسة الأمر الواقع، بدعم أمريكي مباشر وصمت دولي مشبوه. و بينما تلتزم حركات المقاومة بوقف إطلاق النار تستمر الآلة العسكرية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها الاستراتيجية: استنزاف قدرات المقاومة عسكرياً واقتصادياً، وتفريغ الأرض من سكانها عبر التهجير القسري، وتدمير البنى التحتية لضمان عدم عودة الحياة الطبيعية، تمهيداً لفرض اتفاقيات مجحفة تبدأ بنزع السلاح وتنتهي بالتطبيع مع الاحتلال.

رغم هذه التحديات الجسيمة، يبقى الأمل سارياً في نفوس المقاومين الذين يرفضون سياسات الإملاء والقوة. لكن هذا الإيمان يجب أن يقترن بحكمة استراتيجية: تطوير أدوات المقاومة السياسية والعسكرية والشعبية، وتعزيز الوحدة بين فصائلها، وبناء تحالفات إقليمية ودولية حقيقية تدعم حق الشعوب في الدفاع عن نفسها. الطريق طويل وشاق، لكن تاريخ المنطقة علمنا أن قوة الإرادة والتضحية قادرة على هزيمة أعتى الجيوش. غزة تنزف، والمقاومة تستنزف، لكن شعلة الصمود لن تنطفئ ما دام هناك أرض محتلة وشعب يرفض الذل والهزيمة ورجال امنوا بان المقاومة والجهاد هي لباس العز و جلباب الكرامة .

المصدر / فلسطين أون لاين